الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الحَكَم:
أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحكم.
ورود اسم الحَكَم في السنة النبوية الشريفة:
هذا الاسم ورد في السنة النبوية الصحيحة، ورد مطلقاً معرفاً بأل،
(( روى أبو داود من حديث شريح عن أبيه هانئ: لما وَفَدَ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مع قومِهِ، سمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بأبي الحكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوم راوي الحديث يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّ الله هو الحكَمُ وإليه الحُكْمُ فلم تُكْنَى أبا الحَكَم؟ فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمتُ بينهم، فرَضِيَ كلا الفريقَيْنِ بحكمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أحسَنَ هذا -أي أن تكون وسيطاً وحكماً ومصلحاً، وأن يأتي حكمك مقبولاً عند الطرفين شيء طيب-ما أحسَنَ هذا فما لكَ من الوُلْدِ؟ قال: لي شُرَيح، ومسلم وعبد الله، قال: ' فمن أكبرُهم؟ قال قلتُ: شريح، قال: فأنت أبو شريح. ))
[ أبو داود: صحيح أو حسن ]
هذا الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى الله جلّ جلاله الحكم.
مناداة النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بأحبّ الأسماء إليهم:
أيها الإخوة، أحياناً قد يخاطبك إنسان باسمك، لا تتألم كثيراً لأن الله سبحانه وتعالى ما خاطب بالكنية إلا أبا لهب.
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)﴾
والحقيقة باللغة هناك اسم، وهناك كنية، وهناك لقب، وهناك نسبة، الاسم سيدنا عمر، الكنية أبو أو أم، ابن أو بنت، أبو حفص كنية، اللقب الفاروق، النسب القرشي، فالإنسان له اسم، وله كنية، وله لقب، وله نسب.
أيها الإخوة؛ كان عليه الصلاة والسلام ينادي أصحابه بأحبّ الأسماء إليهم، وكان يُغيِّر بعض الأسماء، من الرجل؟ قال له: زيد الخيل، فقال له: بل زيد الخير، إذا كنت معلماً، إذا كنت مديراً في مؤسسة، وهناك اسم يثير الضحك أحياناً اختر له اسماً آخر، أنت معلم، اسمه محمد، كنيته قد تثير بعض الضحك، الأكمل أن تناديه باسمه، لا بكنيته، ولا بلقبه.
الحَكَم في اللغة من صيغ المبالغة، اسم الفاعل حاكم، الحكم صيغة مبالغة، وكما تعلمون حينما يأتي الاسم بصيغة المبالغة فهذا يعني مبالغة كم أو نوع، أي مليار مليار مليار مليار حكم من الله عز وجل عدل، وفي أكبر قضية الحكم عادل كماً أو نوعاً.
الحاكم اسم فاعل، صيغة المبالغة الحَكَم، هو الذي يحكم، ويفصل، ويقضي في سائر الأمور، الفعل حَكَم، يحكُم، حُكماً، والحكم-دققوا-العلم والفقه.
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾
الحُكم العلم والفقه، أي الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، وأعطاه لمن يحب، سيدنا سليمان، آتاه الله الملك، أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، أعطاه لمن يحب، لسيدنا عثمان رضي الله عنه، لسيدنا عبد الرحمن بن عوف.
من أحبه الله أعطاه العلم والحكمة معاً:
لكن الذي يحبه الله عز وجل أعطاه العلم والحكمة، العلم والحُكم، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إذاً:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾
﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)﴾
كن قوياً في طاعة الله ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ العلم والفقه.
استخدام الإنسان الحكم الموجودة في القرآن والسنة لئلا يغفل عن الحق ومن هذه الحكم:
1 ـ تذكير القاضي بأن يحكم بين الناس بالعدل:
الحُكم القضاء بالعدل، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾
بمحكمة الجنايات في دمشق هناك قصر العدل مكتوب فوق رأس المذنبين: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ من يقرؤها هذه؟ القاضي، القاضي يرأس قاعة كبيرة هكذا اتجاهه فوق رأس المذنبين الذين في قفص الاتهام لوحة كبيرة يقرؤها القاضي، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ .
2 ـ تذكير المذنب بالقصاص:
فوق رأس القاضي هناك لوحة كبيرة مكتوب عليها:
﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾
من يقرؤها هذه؟ المذنبون، المذنبون يقرؤون هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ والقاضي يقرأ هذه الآية.
3 ـ عدم ظلم الناس والتأكد مما يقوله بعضهم:
يوجد رجل يعمل في الأمن كتب فوق رأسه آية قرآنية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
أي أنسب آية لمن يعمل في هذا الحقل هذه الآية، مكتب نقل بضائع كتب حديثاً شريفاً :
(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ. ))
4 ـ الاعتزاز بآية كريمة لأنها قد تكون مرتبطة باسمه:
محام اسمه إبراهيم صنع لوحة:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)﴾
كان هناك مفتٍ في الشام رحمه الله، اسمه الأول عبد الرزاق، فقد كتب لوحة وضعها في غرفة الاستقبال: هو الرزاق وأنا عبده، أحياناً إنسان يعتز بآية.
5 ـ التذكير بالأمن والأمان:
دخلت إلى مطار القاهرة:
﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99)﴾
6 ـ التذكير بأن الله عز وجل بيده كل شيء:
القرآن الكريم أحياناً حِكم، والإنسان يستخدم هذه الحكم، شيء لطيف، الطبيب:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
الآن الحَكَم بفتحتين ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ شيء، والحَكَم اسم، الحَكَم بفتحتين هو الحاكم، وحَكَّمه في المال تحكيماً إذا جعل الحكم إليه، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنى واحد.
أيها الإخوة؛ والمحاكمة هي المخاصمة إلى الحاكم، الآن دققوا في هذه الآيات الثلاثة:
﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)﴾
﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ هناك قسم: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما نشأ بينهم من خلاف، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ علامة إيمانك أن تخضع لحكم رسول الله، علامة إيمانك أن تخضع لحكمه في حياته، وعلامة إيمانك أن تخضع لحكمه بعد مماته، كيف؟ القاضي اعتمد في إصدار حكمه على حديث صحيح للنبي عليه الصلاة والسلام، فالذي لا يقبل حُكم رسول الله ليس مؤمناً، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ قد يقول أحدكم: هل هناك إنسان يرفض حكم رسول الله؟ نعم، امرأة مسلمة تدّعي أنها ملتزمة، ينشب خلاف بينها وبين زوجها في العالم الغربي، لا تقبل أن ترفع أمرها إلى المركز الإسلامي، وهناك قاضٍ مسلم ليحكم لها بالمهر، ترفع أمرها إلى القضاء الغربي ليحكم لها القاضي بنصف أملاك زوجها، إذاً هي رفضت حكم رسول الله، حُكم النبي المهر، أما النظام هناك تأخذ المرأة نصف أموال زوجها، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ آية خطيرة جداً، ينفي الله الإيمان عن المؤمن حينما لا يقبل حكم رسول الله في حياته أو بعد مماته، أي إنسان حَكَم أو قاض أصدر حكماً اعتماداً على توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم إن لم تقبل ذلك فلست مؤمناً.
علامة إيمان المسلم أن يخضع لتوجيهات الله عز وجل ولحكم رسول الله:
دققوا، الشيء بالشيء يُذكر، الله عز وجل قال:
﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)﴾
من الخلطاء؟ الزوجات، الشركاء، الورثة، الأولاد، الأقرباء، كلهم خلطاء، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ نتابع الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استنبط الإمام الشافعي أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، ليس مؤمناً أصلاً، ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ المؤمن لا يبغي على خليطه، الحقيقة حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾
من معاني هذه الآية أن القرآن الكريم فيه ستمئة صفحة، بين دفتي المصحف الشريف آيات كثيرة، كل هذه الآيات لا تزيد عن أن تكون أمراً أو خبراً، إن كانت أمراً فالأمر عدل، وإن كانت خبراً فالخبر صدق، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ .
عظمة الخلق تدل على عظمة التشريع:
سوف أمهد لهذه الفكرة بأن البعوضة هذا المخلوق الحقير الذي لا شأن له في حياة الناس، وقد أكّد هذا المعنى النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:
(( عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ. ))
هذه البعوضة بعد أن وُضِعت تحت مجهر إلكتروني يُكبر آلاف المرات تبين أن في رأسها مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعين سناً، وفي صدرها قلوب ثلاث؛ قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، وتملك جهاز استقبال حراري، حساسيته واحد على ألف من الدرجة المئوية، تملك جهاز تحليل دم، تملك جهاز تخدير، تملك جهاز تمييع، في خرطومها ست سكاكين، في يديها وأرجلها مخالب ومحاجم، ما علاقة هذا المثل بالحكم الذي نحن في صدده؟ إذا كانت عظمة الخلق بهذه الدقة لبعوضة، وعظمة الخلق تدل على عظمة التشريع، كيف أن خلقه فيه دقة بالغة، فيه إحكام، فيه إتقان.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
الحكم الإلهي في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:
إعجاز الخلق يقابله إعجاز في التشريع، أي التشريع الإلهي، الحكم الإلهي في القرآن هذا التشريع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليس هذا التشريع منتجاً بشرياً، إنه منتج سماوي، وحي السماء، هذا التشريع الإلهي لا يخضع للبحث ولا للدرس، لا يخضع للتعديل، ولا للتطوير، ولا للتحديث، لا يخضع للحذف، ولا للزيادة.
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)﴾
شيء حَكَم الله به في القرآن حكماً مبرماً قطعياً، لا يمكن أن يكون هذا الموضوع قابلاً للبحث، التشريع الإلهي وحي السماء، لا يقبل لا البحث، ولا الدرس، ولا التعديل، ولا التطوير، ولا الزيادة، ولا الحذف، إنه من عند الله جلّ جلاله، لذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ .
القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله ولا يُحكّم غير شرع الله:
الآية الثالثة:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
من أدق ما قيل في القلب السليم، القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، القلب السليم القلب الذي لا يُصَدِّق خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، القلب السليم القلب الذي لا يُحَكِّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله.
أنا قلت لكم قبل أيام: حضرت مؤتمر السكان في القاهرة، قلت في هذا المؤتمر: إن العالم الإسلامي مع أنه يعاني ما يعاني لا يمكن أن يقبل حلاً لمشكلاته بعيداً عن الكتاب والسنة، عن ثوابته الدينية، عن ثوابته الإيمانية، عن قيمه الأصيلة، هذا شأن عظيم لهذا الشرع الكريم.
ذكرت كلمة قالها بعض الفلاسفة في الشرق، قال: أنا أفتح النوافذ لأجدد هواء غرفتي، شيء طيب لا يوجد مانع، ولكنني لن أسمح للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري، أنا أفتح النوافذ، أُجدد الهواء، لكن أحافظ على هويتي، أحافظ على مبادئي، على ديني، على قيمي، أفتح النوافذ لأجدد الهواء، ولا أسمح أبداً للرياح العاتية أن تقتلعني من جذوري.
لأحد المفكرين كلمة رائعة، يقول: إن ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء، لأنها بمثابة عسل استُخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال، وهل يُعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها؟ لا، الإنجاز الحضاري ملك البشرية جمعاء، لأنه بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرّ الأجيال.
الحكم الكوني والحكم التشريعي:
أيها الإخوة، الآن الحَكَم سبحانه وتعالى هو الذي يحكم في خلقه كما أراد، يحكم في خلقه حكماً إلزامياً لا يُرَد.
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)﴾
أحياناً القاضي، قاضي الصلح يحكم، ويحكم كما يأتي في مقدمة حكمه باسم الشعب السوري مثلاً أصدر هذا الحكم، لكن في محكمة الاستئناف تنقض هذا الحكم، تُعَقِّب عليه وتُلغيه، وقد يحكم قاضي الاستئناف باسم الشعب السوري مثلاً يصدر هذا الحكم، تأتي محكمة النقض فتنقض هذا الحكم، لكن الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ إذاً الله عز وجل يحكم في خلقه كما أراد حكماً لا يُرَد، ولا يُعَقّب عليه، حكماً كونياً، أي هذا الإنسان الله عز وجل ساق له بعض الشدائد، هذا حكم إلهي، فلان ساق له بعض الخير، هذا حكم، هذا حكم مبرم كوني، وهناك حكم تكليفي، حكم للمرأة بالمهر، هذا حكم، وحكم في الإرث بهذه الأنصبة التي وردت في القرآن الكريم، هذا حكم، الله عز وجل له حكم كوني، جعل هذا الإنسان عقيماً، هذا حكم، وقد يكون ملكاً، وبيده الطب في العالم كله، ومع جهود جبارة لم يستطع أن يُنجب من هذه الملكة ولد، هذا حكم، العقم حكم، لذلك: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ هناك حكم كوني، وهناك حكم تشريعي.
الحكم الكوني حكم واقع لا محالة:
أيها الإخوة؛ الحكم الكوني واقع لا محالة، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لا يليق بألوهية إلهنا العظيم أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، لذلك لا يوجد بقاموس المؤمن لو،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))
و:
(( عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: لكلِّ شيءٍ حقيقةٌ وما بلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يعلمَ أنَّ ما أصابه لم يكنْ ليخطئَه، وما أخطأه لم يكن ليصيبَه. ))
[ العواصم والقواصم رجاله ثقات: أخرجه أحمد ]
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ يحكم حكماً تكوينياً أفعاله، جعل هذا عقيماً، جعل هذا وسيماً، جعل هذا ذميماً، جعل هذا متألقاً، جعل هذا محدوداً، هذا حكم إلهي.
مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد:
لكن دققوا، حينما يكشف الله للإنسان يوم القيامة الحكمة مما ساقه له من شدائد، أو الحكمة من الحظوظ التي منحه إياها، حينما يكشف الله لهذا الإنسان يوم القيامة لماذا زوى عنه هذا؟ ولماذا أعطاه هذا؟ ينبغي أن يذوب كالشمعة محبة لله عز وجل، لأن مشكلة الخلق مع الله عز وجل ملخصة بكلمة واحدة هي الحمد:
﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)﴾
ليس في إمكان العبد أبدع مما أعطاه الله عز وجل، هذا الحكم الكوني، أي جعلك ذكراً، ما جعلك أنثى، هذا حكم إلهي، أحد سألك؟ أحد خيرك؟ جعلك من هذا الأب وهذه الأم، جعلك في هذه البلدة، جعلك في التسعينات، في الثمانينات، من اختار لك زمن الولادة؟ ومكان الولادة؟ والأب والأم والجنس؟ هذه أشياء أنت مُسير فيها، هذا حكم إلهي، لكن حينما تُكشف الحقائق تكتشف الحكمة من القضاء والقدر يوم القيامة، المؤمن يقول كلمة واحدة: يا رب لك الحمد على ما سقت لي، لذلك من أدق الأدعية النبوية:
(( عن عبد الله بن يزيد الخطمي عَن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أنَّهُ كانَ يقولُ في دُعائهِ: اللَّهمَّ! ارزُقني حبَّكَ، وحبَّ مَن ينفعُني حبُّهُ عندَكَ. اللَّهمَّ! ما رزَقتَني مِمَّا أُحبُّ فاجعَلهُ قوَّةً لي فيما تحبُّ. اللَّهمَّ! ما زَوَيتَ عنِّي مِمَّا أحبُّ فاجعَلهُ فراغًا لي فيما تحبُّ. ))
(( عن صهيب الرومي: عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن. ))
من عرف أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى التزم بمنهجه سبحانه:
أيها الإخوة؛ هناك حكم ثانٍ حكم تشريعي، حكم تكليفي، هناك فرائض، هناك سنن، هناك مستحبات، هناك مكروهات، هناك محرمات، هناك افعل، هناك لا تفعل، هناك مئات الألوف من الأحكام، المنهج الإسلامي منهج واسع جداً، مثلاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)﴾
الله عز وجل أمرك بأمر صريح أن تلتزم بالعقد الذي أبرمته مع مسلم، المسلمون عند شروطهم، هذا أمر إلهي، الآن:
﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾
إلى الكتاب وإلى السنة.
أيها الإخوة؛ الحقيقة أن الله عز وجل حينما نعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى نحبه، وحينما نحبه نطيعه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أيضاً أن تحبه ثم لا تطيعه.
الملف مدقق